بحث

قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام: من وادٍ غير ذي زرع إلى معجزة الزمزم والذبيح

قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام: من وادٍ غير ذي زرع إلى معجزة الزمزم والذبيح
المؤلف فريق sure media
تاريخ النشر
آخر تحديث

 

قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام: من وادٍ غير ذي زرع إلى معجزة الزمزم والذبيح


قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام هي أعظم قصة تضحية وبناء في التاريخ البشري، النبي الذي نبت من رحم المعاناة ليصبح جداً لأشرف الخلق سيدنا محمد ﷺ،  وكنا تحدثنا في المقال السابق عن قصة سيدنا ابراهيم عليه السلام، وكيف ذهب الى ارض الشام مع زوجته سارة التي وهبته هاجر ليتزوجها.

قصة سيدنا اسماعيل عليه السلام

ان قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام من أعظم القصص في التاريخ الإسلامي، إذ تجسد معاني الإيمان والطاعة والصبر والتسليم لأمر الله تعالى في أسمى صورها ومن خلال أحداث حياته المباركة سنتعرف إلى مواقف عظيمة، تركت أثرًا خالدًا في العقيدة والشعائر الإسلامية حتى يومنا هذا سنبدأ في:

1. الولادة المباركة والرحلة إلى الوادي المجهول

عاش سيدنا إبراهيم عليه السلام سنوات طويلة مع زوجته الأولى سارة دون أن يرزقا بطفل، وبسبب حبها له وهبته جاريتها المصرية هاجر ليتزوجها لعل الله يرزقه منها بولد وبالفعل حملت السيدة هاجر وأنجبت له إسماعيل فملأ الفرح قلب إبراهيم الذي صار شيخاً كبيراً لكن الله سبحانه وتعالى أمر إبراهيم بأمرعجيب يحمل حكمة علوية غامضة في بادئ الأمر: أن يأخذ هاجر وابنها الرضيع إسماعيل، ويسير بهما حتى يصل إلى وادٍ قاحل في مكة حيث بيت الله الحرام اليوم.

وضع إبراهيم زوجته وابنه الرضيع تحت شجرة ضخمة، وترك معهما جراباً فيه تمر وسقاءً فيه قليل من الماء ثم التفت وظهره لهما وبدأ يسير مغادراً المكان، ركضت خلفه السيدة هاجر وهي تناديه مستغربة: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟.

وإبراهيم لا يلتفت إليها تفادياً لعاطفة الأبوة حتى سألته سؤالاً ذكياً غيّر مجرى الأحداث: آللهُ أمرك بهذا؟ قال إبراهيم: نعم

 فقالت بيقين يهز الجبال: إذن لا يضيعنا وعادت هاجر إلى طفلها و وقف إبراهيم بعيداً وراء الجبل حيث لا يرونه، وتوجه بقلبه إلى السماء ودعا بدعائه الخالد الذي ذكره القرآن:

﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37]

2. السعي بين الصفا والمروة وانفجار معجزة زمزم

نفد الماء وجفّ لبن السيدة هاجر وبدأ الرضيع إسماعيل يبكي ويصرخ من شدة العطش، ولم تكن الأم تطيق رؤية ابنها يتلوى أمامها فقامت تبحث عن أمل السعي الحثيث حيث صعدت على جبل الصفا ونظرت علّها ترى أحداً، فلم تجد فنزلت وركضت في الوادي حتى صعدت جبل المروة، وكررت هذا الأمر سبع مرات وهو أصل منسك السعي في الحج اليوم.

بينما هي عند المروة سمعت صوتاً فإذا بملك جبريل عليه السلام عند موضع الصبي، ضرب الملك الأرض بجناحه أو عقبه فانفجرت المياه بقوة من بين رمال الصحراء!وهي ماء زمزم ركضت السيدة هاجر بفرح وخوف من أن يضيع الماء في الرمال، فجعلت تحيطه بالتراب بيديها وتقول: زمّ زمّ (أي تجمع وتوقف).

وقال النبي ﷺ عنها: "يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم لكانت عيناً مَعِيناً" وشربت الأم وأرضعت طفلها وحُفظت حياتهما.

3. قبيلة جُرهُم وعروبة سيدنا إسماعيل

مرت بالمنطقة قبيلة عربية تُدعى جُرهُم فرأوا طيراً يحوم حول الوادي فعلموا أن هناك ماءً، و ذهبوا واستأذنوا السيدة هاجر في أن يعيشوا بجوار البئر فوافقت بشرط ألا يكون لهم ملكية في الماء، ترعرع إسماعيل عليه السلام بين قبيلة جرهم، وتعلّم منهم اللغة العربية الفصحى وأصبح فصيحاً بليغاً ونشأ شاباً قوياً، يمتدح الجميع أخلاقه ورجولته وتزوج منهم بعد ذلك.

4. الابتلاء الأعظم: قصة الذبيح والتضحية الأسطورية

كان إبراهيم عليه السلام يزور ابنه وإسماعيل بين الحين والآخر لتفقد أحواله وفي إحدى الزيارات، رأى إبراهيم في المنام رؤيا (ورؤيا الأنبياء وحي حق) أنه يذبح ابنه الوحيد البكر إسماعيل، وكان هذا اختباراً قاسياً جداً لقلب الأب الشيخ لكنه انصاع لأمر الله، وعرض الأمر على ابنه الشاب ليرى موقفه فجاء رد إسماعيل بقمة الأدب والإيمان والثبات: 

﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]

أخذ إبراهيم ابنه وتله للجبين أي وضعه على وجهه حتى لا يرى ملامحه أثناء الذبح فترق عاطفته، ووضع السكين على عنقه وبذل الأب والابن أقصى درجات التسليم لله، وفي اللحظة الحرجـة لم تقطع السكين! وناداه الله سبحانه وتعالى: 

﴿وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: 104-107]

هبط جبريل بكبش ضخم من الجنة وفُدي به سيدنا إسماعيل، وأصبحت هذه التضحية هي أصل عيد الأضحى، والمذبح الذي يتقرب به المسلمون كل عام.

5. بناء الكعبة المشرفة وتأسيس مكة

بعد نجاة إسماعيل جاء الأمر الإلهي المشترك للأب والابن ببناء أول بيت وُضع للناس على الأرض لعبادة الله وحده؛ الكعبة المشرفة، وكان إبراهيم يبني وياتي بالجرام وإسماعيل يناوله الحجارة ويسانده، وعندما ارتفع البناء وقف إبراهيم على حجر (وهو مقام إبراهيم الحالي) ليكمل البناء، وكانا يدعوان الله وهما يعملان: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127]

وبعد تمام البناء أمرهما الله بتطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود، وأذّن إبراهيم في الناس بالحج.

6. صفات سيدنا إسماعيل عليه السلام ووفاته

أثنى الله تعالى في القرآن الكريم على سيدنا إسماعيل بصفات رفيعة ووصفه بأنه كان صادق الوعد، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضياً، لقد عاش إسماعيل عليه السلام نبياً ورسولاً يدعو القبائل المحيطة به إلى التوحيد، وتوفي ودُفن في مكة بجوار والدته السيدة هاجر في المنطقة المعروفة اليوم بـ حِجْر إسماعيل بجانب الكعبة المشرفة.

قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام: من وادٍ غير ذي زرع إلى معجزة الزمزم والذبيح


أبرز الدروس المستفادة من قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام

  1.  ثمرة حسن الظن بالله من خلال كلمة السيدة هاجر "إذن لا يضيعنا" هي مدرسة في اليقين والتوكل، كانت عاقبتها تفجر بئر زمزم الذي لا يزال يفيض بالماء منذ آلاف السنين.
  2. التسليم المطلق لأمر الله وتجسد قصة الذبح تظهر كيف يتلاشى الكبر وتخضع العاطفة البشرية أمام مراد الله الخالق، فكانت المكافأة هي الفداء بالكبش والثناء الأبدي.
  3. بر الوالدين في أسمى صوره و تجسد في أدب إسماعيل في الرد على والده وثباته معه في الشدائد وبناء الكعبة يعكس القيمة العظمى للبر والتربية الصالحة.

بهذا نكون قد أكملنا قصة سيدنا إسماعيل عليه السلام بكل تفاصيلها نسأل الله الأجر والثواب.

تعليقات

عدد التعليقات : 0