سنكمل السلسة في هذا المقال لنروي قصة من اروع القصص التي وردت في القرآن الكريم، ؤقصة سيدنا ابراهيم عليه السلام
1. الرحلة الفكرية: إبراهيم يبطل عبادة الكواكب
بدأ سيدنا إبراهيم عليه السلام دعوته بذكاء عقلي فريد أراد من خلاله أن يثبت لقومه بالمنطق الفطري أن هذه المخلوقات لا تستحق العبادة فرأى كوكباً يلمع في الليل، فقال مجارياً قومه لينظر إلى النتيجة هذا ربي فلما غاب الكوكب ونزل قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (فالإله لا يغيب).
وتكرر الأمر مع القمر ثم مع الشمس لأنها أكبر وأسطع، فلما غابت الشمس أعلن براءته من هذه المظاهر الكونية: ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 78-79]
2. الدعوة باللين: إبراهيم يحاور والده "آزر"
لم يبدأ سيدنا إبراهيم عليه السلام مواجهته بالعنف بل بدأ بأقرب الناس إليه وهو والده، سجل القرآن هذا الحوار العاطفي الراقي حيث تكرر فيه نداء الأبوة الحاني (يا أبتِ): ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾، وعرض عليه العلم ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾.
حيث رفض آزر دعوة ابنه وهدده بالرجم والضرب إن لم ينتهِ: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46]. فما كان من إبراهيم إلا أن رد بأدب النبوة: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾.
3. خطة تحطيم الأصنام: الخدعة الذكية
قرر سيدنا إبراهيم عليه السلام أن ينتقل من حوار الكلمات إلى حوار الفعل؛ ليثبت لقومه عملياً عجز آلهتهم المزعومة، وانتظر حتى حلّ يوم عيدهم حيث خرج الجميع خارج المدينة للاحتفال وتركوا القرابين والطعام بين يدي الأصنام في المعبد الكهير، وتسلل إبراهيم إلى المعبد، ونظر بسخرية إلى التماثيل الصامتة وأمامها الطعام: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ﴾ [الصافات: 91-92].
وضربها بأسلحته وبقوته وحطمها كلها وجعلها حطاماً تذروه الرياح، حتى تعمد إبراهيم أن يترك كبير الأصنام دون تحطيم، وعلّق الفأس على كتفه في خطة ذكية مبهرة.
4. المحاكمة التاريخية: بل فعله كبيرهم هذا!
عاد القوم من عيدهم فصُدموا بالمشهد: آلهتهم محطمة ومُهانة في الأرض! صرخوا غضباً: ﴿مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. تذكر بعضهم تشكيك إبراهيم فيها، فقالوا: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾. وجاؤوا بإبراهيم في ساحة عامة أمام الناس واستجوبوه: ﴿أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾؟
هنا ألقى إبراهيم قنبلته الفكرية المفحمة: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 63]. و وقعت الكلمات كالصاعقة على عقولهم وأصيبوا بذهول داخلي واعترفوا في أنفسهم بالحق: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ولكن الكبر وعناد الأجداد سرعان ما غلبهم فنكسوا رؤوسهم وقالوا بغباء: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾. فجاء رد إبراهيم زاجراً: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
5. العقوبة الرهيبة: "كوني برداً وسلاماً"
لما عجزوا عن مواجهته بالمنطق والحجة لجأوا إلى لغة القوة والبطش، وصاحوا في جموع الناس: ﴿حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾.وجمع الحطب لاحراق سيدنا ابراهيم عليخ السلام وظل القوم يجمعون الحطب لعدة أيام حتى بنوا كومة هائلة من الأخشاب، وأشعلوا فيها ناراً عظيمة يتطاير شررها إلى السماء، لدرجة أن الطيور لم تكن تستطيع الطيران فوقها من شدة حرارتها.
وضعوا إبراهيم مقيداً في المنجنيق لأنهم لم يستطيعوا الاقتراب من النار لإلقائه وقذفوه في قلب الجحيم، وهو في الهواء يطير نحو النار جاءه جبريل يسأله: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم بيقين تام: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم.. حسبي الله ونعم الوكيل.
وهنا أصدر ملك الملوك أمراً مباشراً غيّر به قوانين الفيزياء والكون: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]
سلب الله من النار خاصية الإحراق وجعلها برداً ولم يتركها برداً فقط حتى لا يتجمد إبراهيم، بل قال "وسلاماً". وجلس إبراهيم في وسط النيران يسبح الله وكأنه في بستان أخضر، وتحللت قيوده دون أن يُمس جسده أو ثيابه بأي سوء وخرج أمام أعينهم مذهولين!
قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام ومناظرة النمرود و رحلة الهجرة ومعجزة الفرعون
بعد أن خرج سيدنا إبراهيم عليه السلام من النار سالماً أمام أعين قومه المذهولين لم يؤمن به إلا القليل، وعلى رأسهم زوجته سارة وابن أخيه لوط عليه السلام، فبدأت مرحلة جديدة من المواجهة لم تكن هذه المرة مع عامة الوثنيين، بل مع رأس السلطة والطغيان في عصر النمروده .
1. قمة التحدي: مناظرة إبراهيم والطاغية النمرود
وصلت أخبار معجزة النار إلى حاكم بابل الملك النمرود بن كنعان، وكان ملكاً جباراً طاغية مَلَك الأرض من مشارقها إلى مغاربها، واغتر بملكه حتى ادعى الألوهية وطالب الناس بعبادته، وطلب النمرود إحضار إبراهيم ليمتحنه، فدارت بينهما المعركة الحوارية التي خلدها القرآن الكريم حجة سيدنا إبراهيم الأولى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. وأراد النمرود أن يغالط السامعين فقال بكبر: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، وأحضر رجلين محكوم عليهما بالإعدام فعفا عن أحدهما وقتل الآخر، زاعماً أنه بذلك أحيا وأمات!
أدرك إبراهيم السطحية والالتفاف في حجة الملك فقرر أن ينتقل فوراً إلى حجة كونية فيزيائية، لا يمكن للنمرود التلاعب بها أو تزييفها فقال له متحدياً: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 258]
سقط التحدي كالصاعقة على الملك الطاغية، وعجز تماماً عن الرد أو التدبير أمام حاشيته، وجاء الوصف القرآني بليغاً: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾.
2. الهجرة في سبيل الله: "إني ذاهب إلى ربي"
لما ضاقت أرض العراق بدعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام وأصر قومه على الكفر رغم رؤية المعجزات والمناظرات، قرر الخليل عليه السلام الهجرة لإنشاء مجتمع جديد يعبد الله وحده، وقال كلمته الشهيرة: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99]
خرج إبراهيم ومعه زوجته سارة وابن أخيه لوط، متوجهاً نحو أرض الشام فلسطين والأردن، حيث استقر هناك لفترة وأرسل ابن أخيه لوطاً إلى مدينة سدوم ليدعو أهلها، بينما واصل إبراهيم رحلته وجاب الأرض حتى وصل إلى أرض مصر.
3. في أرض مصر: معجزة السيدة سارة والملك الجبار
دخل إبراهيم ومعه سارة إلى مصر، وكان يحكمها في ذلك الوقت فرعون طاغية من صفاته أنه إذا علم بوجود امرأة جميلة متزوجة قتل زوجها ليأخذها، وإن كانت أخت الرجل تركها وكانت السيدة سارة من أجمل نساء الأرض، عندما سأل رجال الملك إبراهيمَ عن سارة، قال لهم: هي أختي ويقصد بذلك أخته في الإسلام حتى لا يقتلوه وقال لسارة: ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأنت أختي في الله، فلا تكذبي مقالتي.
أُخذت السيدة سارة إلى قصر الملك وقام إبراهيم يصلي ويبكي ويدعو الله أن يحفظ زوجته، وعندما حاول الملك أن يمد يده إليها بسوء شُلّت يده ويبست في مكانها. فصرخ الملك رعباً وقال لها: ادعي ربك أن يطلق يدي ولا أضرك فدعت الله فاستجاب له، لكنه غدر وحاول مرة ثانية فصُرع وشُلّ أشد من الأولى، وعندها أدرك الملك أن هذه المرأة ليست بشراً عادياً بل هي محروسة بعناية علوية، فصاح بحراسه: أخرجوا هذه من قصري، فإنكم لم تأتوني بإنسان، بل أتيتموني بشيطان!، ولإرضائها وإتقاء شرها أهداها جارية ملكية لخدمتها وهي السيدة هاجر أم سيدنا إسماعيل.
4. العودة إلى فلسطين وبشرى الذرية بعد العقم
عاد إبراهيم عليه السلام ومعه زوجته سارة والجارية هاجر إلى أرض الشام فلسطين، وأصبح إبراهيم رجلاً ثرياً يمتلك الماشية والأنعام ولكنه كان قد كبر في السن، وتجاوز الثمانين دون أن ينجب ولداً يحمل راية التوحيد من بعده، حيث وهبت سارة هاجراً لإبراهيم فتزوجها وأنجبت له ابنه البكر إسماعيل عليه السلام، وكيف قادتهما الأقدار بأمر الله إلى وادي مكة ليتركها هناك وتنفجر بئر زمزم ويُبنى البيت الحرام، ستسرد هذه الاخداث في المقال القادم الذي ستناول قصة سيدنا اسماعيل عليه السلام.
5. ضيوف سيدنا إبراهيم عليه السلام المكرمون والبشرى الكبرى لسارة
بعد سنوات من استقرار هاجر وإسماعيل في مكة كان إبراهيم جالساً في الشام، فجاءه ثلاثة ضيوف غرباء ذوو مظهر حسن ونظيف وهم في الحقيقة الملائكة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، حيث تمثلوا في صورة بشر، ومن شدة كرم إبراهيم سارع إلى أهله دون أن يسألهم من هم، وشوى لهم عجلاً سميناً وقدمه إليهم: ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: 26-27].
وعندما رأى إبراهيم أن أيديهم لا تمتد إلى الطعام لأن الملائكة لا تأكل ولا تشرب، أوجس منهم خيفة وضمر الخوف في نفسه فطمأنوه فوراً وقالوا: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ﴾، وجاءوا كذلك ليحملوا له وليزوجته سارة بشرى معجزة: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: 71]
صدمت السيدة سارة من الخبر فكيف تلد وهي عجوز عقيم وزوجها شيخ كبير؟ ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. فجاءها رد الملائكة الحاسم: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾. وبالفعل ولدت السيدة سارة ابنهما الثاني سيدنا إسحاق عليه السلام، لتكتمل نعم الله على هذا البيت المبارك.
6. وفاة خليل الله وإرثه الأبدي
عاش سيدنا إبراهيم عليه السلام عمراً طويلاً حافلاً بالبناء والتضحية والتوحيد، وتنقل بين فلسطين ومكة لزيارة ابنه إسماعيل وبناء الكعبة، وعندما حانت وفاته قُبضت روحه الطاهرة في أرض الشام ودُفن في المغارة التي اشتراها في مدينة الخليل بـ فلسطين والتي تُعرف اليوم باسم المسجد الإبراهيمي .
أبرز الدروس المستفادة من قصة سيدنا إبراهيم
- قوة الحجة العقلية عندما علمنا إبراهيم كيف نحاور بالمنطق، وكيف نسوق الأدلة الدامغة لإبطال الباطل وتفنيد الشبهات كما فعل مع النمرود وقومه.
- العناية الإلهية تخرق القوانين فالنار تصبح برداً وسلاماً، ويد الملك الجبار تُشل أمام عِرض سارة مما يرسخ أن الكون كله يتحرك بأمر الله وحده.
- الكرم وحسن الضيافة عندما اكرم سيدتا إبراهيم عليه السلام ضيوفه فهو قدوة في إكرام الضيف، حيث بادر بتقديم أفضل ما لديه العجل السمين دون إبطاء.
بهذا نكون قد أكملنا السيرة العطرة والتفصيلية لخليل الله سيدنا إبراهيم عليه السلام بجزأيها نسأل الله الأجر والثواب.

